ابن بسام

326

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

من « 1 » مذهبه ، وأنذر وتهدّد ، وأقام في ذلك وأقعد ، وقام ابن عمار كعادته ، فلم يحفل المعتمد ليلته بمكانه ، لما كان قدّم في شأنه ؛ فلما انفضّ من كان عنده ، التمسه ففقده ، وطلبه منتهى جهده فما وجده ، وأحضر من كان أوصى « 2 » فيه إليه ، فأخبر أنه لم تقع له عين عليه ، فرابه أمره ، وخفي عنه سرّه ، فشهر فيما بلغني سيفه وأخذ الشمع بين يديه وجعل يطلبه حيث يحسبه ولا يحسبه ، فلما انتهى إلى بعض الدهاليز إذا بحصير مطويّ ، وابن عمّار فيه أغمض من سر خفيّ ، عريان كالأفعوان ، فأمر بحمله ، وهو قد تعجّب من فعله ، فلما استقرّ بالمعتمد المجلس ، جعل يبسط جانب ابن عمار ويؤنّس ، وابن عمار يبكي فيضحك ، ويشكو فيشكّك ، فلما سكن قليلا ، وأفرخ روعه ، ورقأ دمعه ، سأله عن شأنه فأخبر أنه كلّما كانت تأخذ منه الشمول سمع « 3 » كأنّ قائلا يقول : يا مسكين ، هذا يقتلك ولو بعد حين ، كلاما هذا معناه ، فلا يزال يطلب الأنس بوسعه فيبعد عليه ذلك ويمتنع ، حتى يصنع ما يصنع ، إلى أن كان له معه الذي قدّر . ومن مقاله في أثناء اعتقاله هذه القطعة البديعة « 4 » : يقول قوم إنّ المؤيّد قد * أحال في فديتي على نقده / يا قوم « 5 » ما ذا الشراء ثانية * ترى لمعنى يريب من عنده ؟ ! أوحشني والسّماح عادته * سماحه بالغلاء في عبده الحمد للّه إن يكن حرجا * فليس في مثله « 6 » سوى حمده وحيلة إن وصلت حضرته * جعلتها رغبة إلى جنده لو سامحوا في الفرند أرمقه * من طرفه لم أخفه من غمده يا ربّ بشّر برحمة وحيا * يؤنس من برقه ومن رده

--> ( 1 ) ل : عن . ( 2 ) ل ك : تقدم . ( 3 ) د : يسمع . ( 4 ) ذكر ابن قاسم الشلبي الذي أخذت عنه أكثر أخبار ابن عمار أن هذه القصيدة وجدت في قراب ابن عمار بعد قتله ( الحلة 2 : 160 ) ؛ وانظر الأبيات عند خالص : 317 . ( 5 ) الحلة : فقلت . ( 6 ) الحلة : مثلها .